محمد بن جرير الطبري

211

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : فبما نقضهم ميثاقهم قال : هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه . وقد ذكرنا معنى اللعن في غير هذا الموضع . والهاء والميم من قوله : فبما نقضهم عائدتان على ذكر بني إسرائيل قبل . القول في تأويل قوله تعالى : وجعلنا قلوبهم قاسية . اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل مكة والبصرة والكوفة : قاسية بالألف ، على تقدير فاعلة ، من قسوة القلب ، من قول القائل : قسا قلبه ، فهو يقسو وهو قاس ، وذلك إذا غلظ واشتد وصار يابسا صلبا ، كما قال الراجز : ( وقد قسوت وقست لداتي ) فتأويل الكلام على هذه القراءة : فلعنا الذين نقضوا عهدي ولم يفوا بميثاقي من بني إسرائيل بنقضهم ميثاقهم الذي واثقوني ، وجعلنا قلوبهم قاسية غليظة يابسة عن الايمان بي والتوفيق لطاعتي ، منزوعة منها الرأفة والرحمة . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : وجعلنا قلوبهم قسية . ثم اختلف الذين قرأوا ذلك كذلك في تأويله ، فقال بعضهم : معنى ذلك : معنى القسوة ، لان فعيلة في الذم أبلغ من فاعلة ، فاخترنا قراءتها قسية على قاسية لذلك . وقال آخرون منهم : بل معنى قسية غير معنى القسوة وإنما القسية في هذا الموضع القلوب التي لم يخلص إيمانها بالله ، ولكن يخالط إيمانها كفر كالدراهم القسية ، وهي التي يخالط فضتها غش من نحاس أو رصاص وغير ذلك ، كما قال أبو زبيد الطائي : لها صواهل في صم السلام كما * صاح القسيات في أيدي الصياريف يصف بذلك وقع مساحي الذين حفروا قبر عثمان على الصخور ، وهي السلام .